منذ اندلاع الحرب الأهلية
اللبنانية عام 1975، لم تنقص
لبنان الجرائم الأمنية الكبرى، ولا الملفات التي هزّت الاستقرار الداخلي واستهدفت شخصيات سياسية وعسكرية ودينية وإعلامية، وصولاً إلى التفجيرات والاغتيالات التي طبعت مرحلة ما بعد الحرب. لكن السؤال الذي يتكرر مع كل قضية جديدة ليس فقط من ارتكب الجريمة، بل أيضاً: كم من الملفات التي أُحيلت إلى المجلس العدلي انتهى إلى أحكام نهائية، وكم منها بقي عالقاً في دهاليز التحقيقات والمحاكمات؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية مع الجدل الذي أثاره ملف متفجرات ضهر البيدر والبقاع في تشرين الأول الجاري، وطرح إحالته على المجلس العدلي. فالقضية أعادت إلى الواجهة دور هذه الهيئة القضائية الاستثنائية، وحدود قدرتها على تحويل الجرائم التي تهدد أمن الدولة والسلم الأهلي من مادة للتجاذب السياسي إلى ملفات قضائية تنتهي بتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام.
من الحرب الأهلية إلى اغتيالات ما بعد الطائف
خلال الحرب الأهلية، عرف لبنان سلسلة من الاغتيالات والجرائم التي أُحيل عدد منها إلى المجلس العدلي، من اغتيال معروف سعد عام 1975، مروراً بكمال جنبلاط عام 1977، وتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه عام 1978، وصولاً إلى اغتيال الرئيس بشير الجميل عام 1982 والرئيس رشيد كرامي عام 1987 والرئيس رينيه معوض عام 1989.
غير أن المسارات القضائية لهذه الملفات لم تكن متشابهة. ففي قضية بشير الجميل، صدر حكم بإدانة حبيب الشرتوني عام 2017، بعد نحو 35 عاماً على الجريمة. وفي قضية رشيد كرامي، صدرت أحكام بحق سمير جعجع، قبل أن يستفيد الأخير من قانون العفو العام عام 2005. أما ملفات أخرى، بينها اغتيال كمال جنبلاط ورينيه معوض، فلا تزال نتائجها القضائية النهائية موضع تساؤلات.
وبعد انتهاء الحرب، لم تتوقف الإحالات. فقد شهدت التسعينيات ملفات أمنية بارزة، بينها اغتيال داني شمعون وعائلته، وتفجير كنيسة سيدة النجاة، واغتيال الشيخ نزار الحلبي، ثم أحداث الضنية مطلع عام 2000. وعلى رغم صدور أحكام في بعض هذه
القضايا، فإن ملفات أخرى بقيت مرتبطة بخلافات سياسية وقضائية تجاوزت في كثير من الأحيان حدود المساءلة الجنائية.
موجة الاغتيالات... أحكام في بعض الملفات وتعثر في أخرى
شكّلت مرحلة 2004–2008 منعطفاً بالغ الخطورة، مع سلسلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت سياسيين وصحافيين وشخصيات أمنية، من مروان حمادة إلى سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم والعميد فرنسوا الحاج.
أُحيل عدد من هذه الملفات إلى المجلس العدلي، فيما انتقل ملف اغتيال الرئيس رفيق
الحريري والجرائم المرتبطة به إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي أصدرت أحكاماً في القضية. وفي ملفات أخرى، بقيت المحاسبة النهائية غير مكتملة، أو تعذر تثبيت نتائج قضائية نهائية لها في المعلومات المنشورة.
في المقابل، أثبت المجلس العدلي قدرته على إصدار أحكام في قضايا محددة، أبرزها تفجيرا عين علق عام 2007، وملف مقتل زياد قبلان وزياد الغندور، وأحداث مخيم نهر البارد، وإن اختلفت
العقوبات والنتائج من قضية إلى أخرى.
لكن مرور السنوات على عدد من الاغتيالات من دون خواتيم قضائية واضحة رسّخ انطباعاً بأن بعض الملفات الأمنية في لبنان قد تتحول إلى قضايا مفتوحة بلا أفق زمني محدد، فيما تبقى العدالة مرتبطة بقدرة التحقيقات على الاستمرار بعيداً من الضغوط السياسية والأمنية.
مرفأ بيروت والتليل... امتحان الزمن القضائي
لم تقتصر هذه الإشكالية على ملفات الحرب الأهلية أو الاغتيالات السياسية. فقد أعاد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص وأصاب الآلاف، طرح السؤال عن قدرة
القضاء اللبناني على استكمال التحقيقات في الجرائم الكبرى. فعلى الرغم من إحالة القضية إلى المجلس العدلي، واجه التحقيق تعطيلات واعتراضات متكررة، وبقيت المحاسبة النهائية بعيدة المنال لسنوات.
وفي المقابل، شهد ملف انفجار التليل في عكار عام 2021 تطوراً قضائياً تمثل في صدور حكم عام 2026، بعد سقوط 33 ضحية في الانفجار. وهو ما يبيّن أن الوصول إلى الأحكام ممكن، وإن جاء بعد مسار طويل ومعقد.
كما أُعيد تحريك عدد من ملفات الاغتيال القديمة خلال عام 2025، عبر تعيين محققين عدليين لمتابعتها. وقد عكست هذه الخطوة محاولة لإخراج قضايا بقيت معلقة لعقود من دائرة الجمود، إلا أن تعيين المحقق العدلي لا يعني بحد ذاته أن الملف حُسم، بل إنه بداية مسار يفترض أن ينتهي إلى نتائج قضائية قابلة للتنفيذ.
ضهر البيدر... هل تتكرر الحلقة نفسها؟
اليوم، يعيد ملف متفجرات ضهر البيدر والبقاع فتح النقاش حول المجلس العدلي. فالإحالة، إذا أُقرت وفق الأصول، ستكون خطوة قضائية وسياسية ذات دلالات مهمة، بالنظر إلى حساسية القضية وما أثارته من مخاوف بشأن الأمن الداخلي والسلم الأهلي.
لكن التجارب السابقة تفرض الحذر من التعامل مع الإحالة باعتبارها إنجازاً نهائياً. فالمجلس العدلي لا يصدر أحكامه بناءً على حجم الضجة السياسية، بل على الأدلة والتحقيقات والإجراءات القانونية. كما أن إحالة أي ملف لا تعني ثبوت الاتهامات بحق الأشخاص المعنيين، ولا تغني عن احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كان
مجلس الوزراء سيوافق على إحالة الملف، بل بما إذا كانت التحقيقات ستصل إلى نتائج واضحة، وما إذا كان القضاء سيتمكن من تحديد المسؤوليات من دون انتقائية أو تدخلات.
المشكلة ليست في الإحالة وحدها
تكشف التجربة اللبنانية الممتدة منذ عام 1975 أن المجلس العدلي أصدر أحكاماً في قضايا خطيرة، لكنه لم يتمكن من إقفال كل الملفات التي أُحيلت إليه، فيما بقي بعضها عالقاً سنوات طويلة، وأعيد تحريك بعضها الآخر بعد عقود.
ولا يمكن اختزال أسباب هذا الواقع بعامل واحد؛ إذ تتداخل تعقيدات التحقيق، والظروف الأمنية، والضغوط السياسية، وتبدل الأوضاع، فضلاً عن أثر العفو العام في بعض القضايا. لكن النتيجة واحدة بالنسبة إلى أهالي الضحايا والرأي العام: العدالة التي تتأخر طويلاً تفقد جزءاً من قدرتها
على استعادة الثقة بالدولة.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي في ملف ضهر البيدر، كما في الملفات التي سبقته، ليس مجرد اتخاذ قرار بالإحالة، بل ضمان تحقيق جدي ومستقل، ومحاكمة عادلة، وحكم واضح يُنفّذ وفق القانون.
فلبنان لا يحتاج إلى سجل جديد من الملفات المحالة التي تنتظر دورها في الأدراج، بل إلى مسار قضائي يثبت أن الجرائم التي تمس أمن الدولة والسلم الأهلي لا تسقط بالتقادم السياسي، وأن أحداً لا يُدان بالشبهة، ولا يُعفى من المحاسبة بفعل النفوذ.