أصبح من الواضح أنّ إسرائيل تُريد جرّ "حزب الله" إلى مُواجهة جديدة بهدف نزع سلاحه بالقوّة العسكريّة، فتخطّت "مُعادلة المطلة أو الجليل مقابل بيروت"، واستهدفت الضاحية الجنوبيّة للمرّة الثانيّة منذ وقف إطلاق النار، ما دفع رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون إلى وصف هذا التطوّر الأمنيّ بـ"الإنذار الخطير"، لأنّه قد يُفجّر الوضع وربما يُؤدّي إلى حربٍ بين جيش العدوّ و"الحزب".
اختار "حزب الله" منذ تشرين الثاني باستثناء مرّة واحدة، ألا يردّ بتاتاً على الخروقات الإسرائيليّة، وخصوصاً في الوقت الراهن حيث تُمارس إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ضغوطات على السياسيين اللبنانيين لنزع سلاح "الحزب". فالأخير على دراية أنّ هناك رغبة إسرائيليّة بإقحامه في مُواجهة جديدة لشنّ عدوانٍ واسع النطاق على
لبنان، بذريعة تدمير ما تبقى من ترسانة "المقاومة" الصاروخيّة.
وبحسب محللين عسكريين، فإنّ "حزب الله" يُريد البقاء على حياد مما يجري في جنوب
لبنان وفي الضاحية الجنوبية، وتحميل الدولة المسؤوليّة لإيقاف الإعتداءات الإسرائيليّة، لإرسال رسالة واضحة إلى الخارج وخصوصاً للولايات المتّحدة الأميركيّة وفرنسا أنّه مُلتزم باتّفاق وقف إطلاق النار، خلافاً لإسرائيل التي خرقته مئات المرّات منذ تشرين الثاني 2024.
ويعتبر المحللون أنّ "حزب الله" لن يعمد إلى الردّ على إسرائيل إلّا إذا قرّرت الحكومة في تل أبيب إستئناف حربها على لبنان بضوءٍ أخضر أميركيّ، فـ"الحزب" لن يُعطي ذريعة للعدوّ لنزع سلاحه بالقوّة العسكريّة، ويُريد أنّ تتكلّل الإتّصالات الديبلوماسيّة وجهود
لجنة مُراقبة وقف إطلاق النار إلى دفع الجيش الإسرائيليّ إلى الإنسحاب من الجنوب، لتلافي أيّ جولة جديدة مع تل أبيب.
وصحيحٌ أنّ "الحزب" لم يعدّ قادراً على الدخول في نزاعات وحروبٍ جديدة في المنطقة، بعد سقوط نظام بشار الأسد وتشديد الرقابة على الرحلات الإيرانيّة الآتية إلى بيروت، لكن ما هو أبعد من ذلك، أنّ هناك هدفاً أميركيّاً – إسرائيليّاً يُعمل عليه حاليّاً، وهو إمّا نزع سلاح "حزب الله" عبر الضغوطات السياسيّة والديبلوماسيّة، وإمّا عبر استئناف العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وهذا ما تخشاه حارة حريك، ويُلزمها في البقاء في حالة هدوء وعدم الردّ على الإستفزازات الإسرائيليّة.
ويرى المحللون العسكريّون أنّ قصف الضاحية الجنوبية فجر الثلاثاء، الهدف منه إستهداف هذه المنطقة الأساسيّة لـ"حزب الله" كلّما سنحت الفرصة لإسرائيل للقيام بذلك، من أجل دفع "الحزب" إلى العودة إلى جنوب الليطاني وقصف المستوطنات في الجليل وحيفا وتل أبيب، كردٍّ إنتقاميّ.
ويُتابع المحللون أنّ حكومة بنيامين نتنياهو لم يُناسبها إتّفاق وقف إطلاق النار في لبنان، بعدما مارست واشنطن ضغوطاً كثيرة عليها للقبول به، بينما الآن، يتّضح أنّ إدارة ترامب تنوي إنهاء نفوذ إيران في
الشرق الأوسط، عبر ضرب "حماس" والحوثيين و"الحزب"، والتهديد بقصف قلب طهران والمنشآت العسكريّة، إنّ لم يتمّ التوصّل إلى اتّفاق حول البرنامج النوويّ الإيرانيّ في مُهلة قصيرة.
وليس من المستبعدّ أنّ يعود التوتّر بين لبنان وإسرائيل قريباً، فلجنة مُراقبة وقف إطلاق النار لم تنجح في الضغط على الحكومة الإسرائيليّة للإنسحاب من الجنوب ووقف أعمالها العدائيّة، بينما يدعم أحد أطرافها أيّ الولايات المتّحدة الأميركيّة طموحات وأهداف حكومة نتنياهو للقضاء على قدرات "حزب الله" كاملاً.
وأيضاً، ينوي ترامب ونتنياهو زيادة عدد الدول المُطبّعة مع إسرائيل، ولبنان ضمن هذه البلدان، وترى الإدارة الأميركيّة أنّ
السلام بين بيروت وتل أبيب مستحيل إنّ لم يتمّ نزع سلاح "حزب الله" وفصل لبنان عن "محور المُقاومة" وإيران.