اكّد رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع "أننا اليوم في وضع دقيق جداً". وقال: "منذ دخلنا العهد الجديد مع انتخاب رئيس الجمهوريّة وتشكيل الحكومة الجديدة، نُفذت خطوات لا بأس بها إلى الأمام، فعلى الأقل، إن رائحة الفساد الكريهة التي كانت تُغلق الأنوف لم تعد موجودة، وهذا شيء جيد، كما أن التعيينات التي أُقرّت قد لا تكون الأفضل، ولكنها أفضل مما كان يحصل سابقًا، وهذا كله جيد. ولكن هناك نقطة جوهرية، كَثُرَ الحديث عنها لاسيما في الأسبوعين الأخيرين، وهي نقطة سيئة جدًا جدًا، وتُهدد كل أمل بخلاص
لبنان. هذه النقطة هي أن البعض عاد ليتكلم على أن هناك سلاحًا لحزب الله "شمال الليطاني" وسلاحاً للحزب "جنوب الليطاني".
وشدد على أنه "لا يوجد شيء اسمه جنوب أو شمال الليطاني، وفي هذا الإطار إذا ما أردنا أن نعتمد القرار 1701، فهو واضح جدًا جدًا جدًا، أما إذا أردنا أن نعتمد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أقرته الحكومة اللبنانية في تاريخ 27 تشرين الثاني 2024، فهو أيضاً أوضح وأوضح وأوضح، والنتيجة أنه على كامل الأراضي اللبنانيّة، لا يجوز أن يكون هناك سلاح خارج الجيش اللبناني، ويجب تفكيك البنى العسكرية غير الشرعية كلها".
واعتبر أن "هذه النغمة التي بدأنا نسمعها من جديد، هي نغمة مدمّرة، ولا علاقة لها لا بخطاب القسم، ولا بالبيان الوزاري، ولا بالقرار 1701، ولا بالقرارات الدولية، وبالأخص لا علاقة لها باتفاق وقف إطلاق النار الذي أقرّته الحكومة اللبنانية في 27 تشرين الثاني 2024". وقال: "انتبهوا، الدول لا تفهم "الزعبرة" التي تعوّد عليها اللبنانيون! هذه "الشطارة" اللبنانية قد تنفع قليلًا بين بعضنا البعض، لكنها لا تنفع على المستوى العربي والدولي. فإذا - لا سمح الله - فقدت الدولة الجديدة، التي وُلدت بعد الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة، صدقيّتها، فإننا سنكون أمام مشكلة كبيرة جدًا، باعتبار أننا سنحتاج الكثير من الوقت لنحصل على فرصة جديدة، ولنستعيد الصدقية والأصدقاء، كي نحاول بناء البلد من جديد. بالتالي، هذه الأمور ليست مزاحًا، ولسنا نتسلّى بسجالات داخلية بين مختار قال شيئًا ورئيس بلدية قال شيئًا آخر! الموضوع بالغ الدقّة والخطورة، ومن المفترض أن تُعبّر الحكومة، في أسرع وقت ممكن، عن موقفها بكل وضوح وبكل صراحة، بغض النظر عما تستطيع تنفيذه حاليًا. لكن موقفها يجب أن يكون واضحًا وصريحًا، لأنه لا شيء يوصل إلى نتيجة سوى الوضوح والصراحة".
كلام جعجع جاء خلال العشاء السنوي لجهاز تفعيل دور المرأة، تحت عنوان: "قوّة وقدوة"، الذي أقيم في معراب، في حضور، د. لينا قماطي ممثلة السيدة الأولى نعمت عون، النواب: ستريدا جعجع، أنطوان حبشي، غادة أيوب، نزيه متى، شوقي الدكاش ممثلاً بزوجته تانيا شوقي الدكاش، الوزيرة السابقة منى عفيش، عضو الهيئة الوطنيّة لشؤون المرأة القاضي سمرندا نصار، عضو الهيئة التنفيذيّة في حزب "القوّات اللبنانيّة" مايا زغريني، الأمين المساعد لشؤون الإدارة رفيق شاهين، رئيسة جهاز تفعيل دور المرأة في الحزب سينتيا الأسمر، وحشد من السيدات الفاعلات في المجتمع في مختلف المجالات.
وأشار جعجع إلى أنه لا يدري من أين جاء البعض بهذه "الترجومة" بأن هناك فرقًا بين الجنوب والشمال، أو أن سلاح الشمال "بحاجة إلى بحث"، وقال: "أي بحث هو هذا؟ لقد نوقش هذا الأمر عشرات ملايين المرات، وهو واضح جدًا في اتفاق وقف إطلاق النار، وواضح جدًا في القرار 1701، وكذلك في القرارات الدولية الأخرى كلها، مثل 1559 و1680، وبالتالي، في هذا المجال، أشعر أن هناك نوعًا من المراوحة، ولكن هذه المراوحة ليست بلا ثمن! هي مضيعة للوقت، ولبنان بأمس الحاجة إلى الوقت هذا والإسراع في التنفيذ كي ينهض بمختلف مناطقه وبجميع أبنائه، وما يحصل اليوم لا يُمكّنه من النهوض، ولن يمكنه من النهوض، فالمعادلة واضحة".
وأوضح جعجع أن "المشكلة في أن البعض إذا قلت له "غدًا ستمطر"، ثم أمطرت فعلًا، يُلقي اللوم عليك وكأنك أنت من أنزل المطر! تقول لهم: أنا لدي ميزان، ورأيت فيه أن المطر آتٍ، فأبلغتكم. فتصبح أنت من "يسبّب" الشتاء وأنت من جعل المطر يهطل!؟ في حين أنك لا تملك القدرة على جعل المطر يهطل أو منعه إن كان آتيا. وعندما توضح لهم هذه المسألة، يجيبونك: "هذه مقولة من عند العدو الإسرائيلي!" فكفى! لقد سئمنا من هذه المقاربة السخيفة حيث أن كل ما لا يعجبكم هو من عند "العدو الإسرائيلي". فقد طحنتمونا بخطابكم هذا منذ خمسين سنة حتى اليوم، ولم نحصد من نتائج خطابكم ومقاربتكم سوى المزيد من الخسائر والهزائم، حتى دُمّر نصف
لبنان، ولا تزالون مصرّين على المقاربة نفسها! ما هكذا تُقارب الأمور. يجب أن تُقارب الأمور بمنطق وأن يكون السؤال: "ماذا يجب أن نفعل لكي نُنقذ شعبنا في الوقت الراهن؟" والجواب واضح تمامًا: هناك هيبة وصورة للدولة اللبنانية، وإذا لم تُصحَّح، فلا تظنوا أننا سنستطيع أن نكسب شيئًا!".
وتابع جعجع: "إن لم تُصحَّح صورة الدولة اللبنانية وهيبتها، فسيبقى أولاً الوضع الأمني هشًا كما نراه: اعتداء هنا، واعتداء هناك. ثانيًا، إذا لم تُصحح هذه الأمور، فلن يعترف أحد بالدولة الجديدة في لبنان، وسيعتبرونها امتدادًا لما كان قبلها، وبالتالي لن يساعدها أحد على الإطلاق".
وشدد جعجع على أننا "إذا استمررنا على ما نحن عليه اليوم، سنبقى في وضع غير مستقر داخليًّا، وسنبقى في وضع من عدم الاعتراف الفعلي بنا من الخارج. ونرى كيف أن كل ما يحاول رئيس الجمهورية القيام به من جهود لا يثمر، فعلى سبيل المثال، واحدة من الخطوات المطلوبة هي رفع الحظر عن سفر الخليجيين إلى لبنان، لم نتمكن من تحقيقها. لماذا؟ هل لأنهم لا يحبّون رئيس الجمهورية؟ هذا غير صحيح، بل على العكس، هم يحبونه، ولكن لأنهم يعتبرون أنه لا توجد دولة جدّية في لبنان. وهذه الدولة تصبح دولة جدّية عندما تتوقف عن الاستيقاظ في أي صباح لتتفاجأ بأن صواريخ قد أُطلقت من لبنان، من دون أن يعلم أحد من أطلقها أو كيف. أو مثلًا بالنسبة لموضوع السلاح في المخيمات الفلسطينية. إن الأمر الذي لا أفهمه هو: لماذا لا يزال هناك سلاح في المخيمات الفلسطينية؟ لقد اتفقنا في الحوار الوطني، بعد نقاشات طويلة استمرت ساعات وساعات، على نزع سلاح الفلسطينيين داخل المخيمات وخارجها. وحتى الرئيس محمود عباس شخصيًا، والسلطة الفلسطينية ذاتها، أكّدا في أكثر من مناسبة أنهما مع الدولة اللبنانية في أي إجراء تتخذه في هذا المجال. فهذه الأرض أرضها، وهي صاحبة السيادة عليها. ولكن المطلوب هو أن يُمارس أصحاب السيادة هذه السيادة، إذ لا يمكن للسيادة أن تتحقق بمفردها وأن تثبت ذاتها".
واستطرد جعجع: "متى تصبح الدولة جدّية؟ تصبح كذلك عندما لا يعود هناك أي سلاح، ولا خلايا أمنية، ولا قرار حرب أو سلم خارجها. حينها فحسب تعود الدول إلى إقامة علاقات معنا، ويُحتمل حينها أن يتحسّن وضعنا، ويُحتمل أن يتحسّن اقتصادنا، ويُحتمل أن نعود نصدر ونستورد، ويُحتمل أن نتمكن من إعادة الإعمار. إلا أننا في الوضع الراهن الآن، فالأمور مغايرة تماماً لذلك، لدينا ما بين عشرين وثلاثين أو أربعين قرية في الجنوب، "الله يعين أهلها"، فقد مضى على تهجيرهم تقريبًا عام كامل، منذ بدأت ما سُمي بـ"حرب الإسناد"، التي تبيّن أنها حرب إسناد لإسرائيل، لا لأي شيء آخر. فهي لم تنفع غزة وأضرّت بلبنان، وساعدت إسرائيل على شنّ هذه الحرب الشعواء والضروس علينا. هؤلاء الناس سيكملون السنة خارج بيوتهم. فماذا ستفعلون بهم؟ لا أحد يُفكر بهم، وباسمهم يُنجَز كل ما يُفترض ألا يتم إنجازه، من تعطيل لإعادة الإعمار، ومنع عودتهم إلى بيوتهم، وحرمانهم من حياة طبيعية ولو ليومين، ليستمر الناس في الموت ساعة هنا وساعة هناك، كما ترَون".
وكان قد استهل جعجع كلمته، بتوجيه تهنئة كبيرة لرئيسة جهاز تفعيل دور المرأة في حزب "القوّات اللبنانيّة" سينتيا الأسمر، وقال: "التهنئة مردها ليس لأنها نظّمت هذا الاحتفال اليوم فحسب! فكما تعلمون، قد يكون لدينا احتفال يُنظم في معراب كل يوم، ولكن بصراحة، خلال الخمس عشرة سنة السابقة، كانت سنتيا مثالًا للالتزام، ومثالًا للالتزام الصامت، وهذا هو الأهم، لأنه يوجد الكثير من الأشخاص الذين يتكلمون ويتكلمون ويتكلمون ولكنهم لا يفعلون شيئًا، وهناك أشخاص يعملون ويعملون ويعملون ولا ينطقون بشيء. لذلك أود أن أوجّه لها تحية كبيرة. لقد كانت مثالًا أتمنى أن يكون مثالًا يُحتذى به في ما يتعلق بدور المرأة في المجتمع".
ورحّب جعجع بممثلة السيّدة الأولى نعمت عون، الدكتورة لينا قماطي، وبالنواب الموجودين، وبالفعاليات، ورؤساء الأجهزة، ورؤساء المصالح، ورؤساء الجمعيات، والرفيقات والرفاق الحاضرين كافة.
ولفت جعجع إلى أنه كلما يُطرح موضوع المرأة، يكون لديه الكثير مما يود قوله، إلا أنه لن يقول الكثير في هذه المناسبة، وقال: "أشعر في مجال حقوق المرأة أن هناك نوعًا من المبالغة من جهة، أو نوعا من الخداع من جهة أخرى، أو نوعا من الاستغلال من جهة ثالثة. أنا لا أحب انتقاد أحد، ولكن في بعض الأحيان، يجب أن تُطرح بعض الحقائق أمام الجميع".
وتابع جعجع: "سأبدأ بأن أُحدثكم عن تاريخ حزب القوات مع المرأة، لكي نرى من هي أهم جمعية تدافع عن حقوق المرأة في لبنان. الجمعيات التي نسمع عنها اليوم في هذا المجال بدأت عملها منذ خمس عشرة سنة، أما القوات، فأنا أذكر تمامًا، مع بداية الحرب سنة 1975 — تنذكر وما تنعاد — ولكن في بعض الأحيان علينا أن نعود قليلًا إلى التاريخ لكي نفهم ما حدث بالضبط، لأن ما يحدث الآن هو نتيجة لما حصل من قبل ومن قبل ومن قبل. في العام 1975 اندلعت الحرب في لبنان، وهي أقل ما يمكن وصفها بأنها مسيئة. فهل يتذكر أحدكم "النظاميات"؟ كنا حينها جميعًا في حزب "الكتائب اللبنانيّة". وكان هناك فرقة من المقاتلات تُسمى "النظاميات"، وهنّ شكّلن أنفسهن بأنفسهن، ومؤسِسة "النظاميات"، رحمها الله، كانت جوسلين خويري، وكانت على رأس هذه الفرقة. وفي وقت من الأوقات، أصبح عديدهنّ بالمئات. انتبهوا، "النظاميات" لم يكنّ نساء ترتدين الزي العسكري وتقمن بمهمات إدارية فحسب - أبدًا - صحيح أنه لاحقًا أصبح لدينا في "القوّات اللبنانيّة" عدد كبير من النساء اللواتي يقمن بمهمات إدارية ولوجستية مختلفة، ولكن "النظاميات" بالتحديد كنّ يقمن بأدوار عسكرية. لذلك، منذ اللحظة الأولى التي تأسست فيها "القوات"، وحتى عندما كنا لا نزال في "الكتائب"، وصولًا إلى تحولنا إلى "القوات"، وحتى سنة 1990، كانت المرأة والفتاة حاضرتين دائمًا في حزب "القوات" بأدوار مختلفة".
واستطرد جعجع: "وصلنا إلى التسعينيات، ولم نكد نغمض أعيننا لنفتحها، وإذ بعهد الوصاية قد أحكم سيطرته على البلاد. عهد الوصاية شنّ أكبر حملة اضطهاد بحق حزب في العالم، فكانت هذه الحملة الكبرى تحديداً على حزب "القوات"، وانتهت بحلّ الحزب وزجّي مع مجموعة كبيرة من الرفاق في المعتقل. وفجأة، وقعت "كل مسؤولية القوات، كلّها"، على عاتق فتاة، من دون قصد، بحكم الصدفة والظروف التي كانت قائمة، فوقع الحمل على رفيقتنا ستريدا جعجع".
وقال: "شاءت الصدف قبل ثلاثة أو أربعة أيام أن التقي بأحد الصحفيين. أخبرني قصة - وطبعًا لم يكن يعلم أن لدينا احتفالًا اليوم أو أننا سنتكلم على موضوع المرأة - فقال لي: "بعدما تم اعتقالك، شعرت بدافع الواجب أن أقوم بزيارة زوجتك في منزلها في منطقة يسوع الملك للإطمئنان على أحوالها. حملت نفسي وتوجهت إلى هناك، لكن قبل الوصول إلى المنزل، كانت هناك حواجز عسكرية كما لو أننا في مقر الحاكم العسكري في نابلس! حواجز من الاتجاهات كلها، من الطريق السفلي والطريق العلوي. حاولت سلوك أكثر من طريق، الطرقات كلها كانت مغلقة بحواجز عسكرية. ولم تكن الحواجز كما نراها اليوم، على غرار حاجز المدفون، لا، بل كانوا يوقفون كل سيارة، وينزلون الركاب منها، يفتشون السيارات تفتيشًا دقيقًا، ويفتشون جميع الركاب ومقتنياتهم، ثم يسمحون لهم بالمرور. وكان الهدف من ذلك الضغط النفسي، وقد علمت ذلك من اللحظة الأولى".
ويتابع جعجع سرد ما قاله له الصحفي: "دخلت إلى المنزل في يسوع الملك، وما أن فتح الباب حتى رأيت مشهدًا كما لو أنني في ثكنة عسكرية من ثكنات القوات. مجموعات كبيرة من الشباب والصبايا، بعضهم يجتمع هنا، وآخرون هناك، وكانت صبية تتنقل بينهم، تتحدث إلى هذا وتستمع إلى ذاك، تتلقى مكالمة هاتفية، وترد على أخرى، فعندما رأتني، رحّبت بي".
ولفت جعجع إلى أن الصحفي كان يتحدث بطبيعة الحال عن النائب ستريدا جعجع. ويكمل جعجع سرد ما قاله له الصحفي، ويقول: "جلست معها، ولم أدرك متى انتهى الاجتماع والمقابلة، لأن الجو كان صاخباً وضاغطاً مع كثرة الحركة والضجيج، وأثناء مغادرتي بدأت أتساءل: إلى متى ستتحمل هذه الفتاة هذا الوضع؟ هذا الضغط العسكري من الخارج والمعنوي من الداخل، وضغط عهد الوصاية، حيث أنه في كل يوم هناك شباب يُعتقلون، وحينها اعتبرت أنها على الأرجح لن تستطيع تحمّل هذا الوضع".
وشدد جعجع بعد انتهائه من سرد ما قاله له الصحفي على ان "تلك الفتاة لم تكن قادرة على التحمل فحسب، بل تحمّلت وتحملت وتحملت، واستمرت في تحمّلها طوال نصف ساعة، وساعة، ويوم، ويومين، وأسبوع، وأسبوعين، وسنة، وسنتين، وثلاث، وخمس، وإحدى عشرة سنة، إلى أن سلّمت المشعل، وأوصلت "القوات" إلى برّ الأمان، حتى انتهى عهد الوصاية، وبقيت هي، وبقيت القوات".
وتابع جعجع: "في المرحلة ذاتها بالضبط، أريد أن أتكلم على سيدتين. وأنا لا أطرح هنا نظريات ولا أطرح شيئًا بالمطلق، بل أطرح أمثلة واقعية ملموسة. السيدة الأولى اسمها أنطوانيت شاهين. لقد تم اعتقالها ليس لسبب سوى لأن شقيقها كان ينتمي إلى حزب "القوات اللبنانية"، ولا يمكنكم أن تتخيلوا إلى أي مدى تعرضت للتعذيب فقط لتُقرّ أن شقيقها كان موجودًا في لبنان عندما تم تفجير كنيسة سيدة النجاة. كانت أنطوانيت بريئة، وصادقة ورفضت الكذب، وقالت لهم: "لا، لم يكن في لبنان". فكانوا يعاودون تعذيبها وضربها لكي تعترف، لكنها كانت ترفض أن تكذب وتقول إن شقيقها كان في لبنان، لأن الحقيقة كانت أنه لم يكن في لبنان. وهكذا بقيت في السجن خمس سنوات، إلى أن وُجد قاضٍ نزيه أنصفها وأصدر حكمًا ببراءتها. والأجمل من ذلك أن أنطوانيت شاهين لم تكتفِ بما عانته في السجن، بل منذ لحظة خروجها، أصبحت مناضلة أكثر فأكثر، وما تزال حتى اليوم تناضل. تنتقل من عاصمة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، إلى أن منحها رئيس الجمهورية الفرنسية وسام الشرف للحرية والسجناء. وهي ما تزال تواصل نضالها بأفضل وجه، وأسّست جمعية وتنتمي إلى جمعيات عدة تُعنى بحقوق الإنسان وبالسجناء. هذه هي رفيقتنا أنطوانيت شاهين".
واستطرد جعجع: "في الوقت نفسه، كان هناك شاب تعرفه الغالبية منكم، هو رمزي عيراني. قامت سلطة الوصاية باعتقاله وقتله بأبشع الطرق، وكان استشهاده مأساويًا. أما زوجته، وهي شابة حديثة الزواج ولديها طفلان صغيران، فبدلًا من أن تنهار أو تيأس أو تترك البلاد، تابعت، وتابعت، وتابعت. ربّت ولديها، والأهم من ذلك أنها بقيت حاملة الشعلة التي كان يحملها زوجها، ولا تزال إلى اليوم تتابع المسيرة".
وشدد جعجع على ان ما أورده من امثلة هو مجرّد أمثلة بسيطة فحسب عمّا حصل خلال عهد الوصاية، وتابع: "انتهى عهد الوصاية سنة 2005، وكانت هناك إعلامية اسمها مي شدياق، وبسبب انتمائها لـ"القوات"، كانت تتكلم بصراحة وجرأة كبيرتين، إلى حد أنهم قرروا اغتيالها، فوضعوا لها عبوة متفجّرة تحت سيارتها. أنقذها الله من الموت، ولكنها أصيبت إصابات بالغة. ومع ذلك، حملت جسدها المصاب على كتفيها، وتابعت في مسار القضية، ولا تزال مستمرة في نضالها حتى اليوم. هذه هي مي شدياق".
ولفت جعجع إلى أنه "في صفوف حزب "القوات"، يوجد ما لا يقل عن 25 أو 30 أو حتى 35 ألف منتسب، ومن ضمن هؤلاء، ما بين 35% و40% هن نساء"، مشيراً إلى أنه "في كل انتخابات نيابية، إذا أخذنا تكتلنا النيابي كمثال، نجد أنه من أصل 19 نائبًا، هناك نائبتان. وما يميز هاتين النائبتين - "ولا يواخذني السادة النواب الحاضرون" - أنهما من أبرز نواب التكتل. وبالتالي، أنا بكل بساطة أقول لكم إن أكثر حزب أو جمعية أو مجموعة - إذا أردنا المقارنة - تركت المجال للمرأة لكي تأخذ دورها الطبيعي، هو حزب القوات اللبنانية. وأكبر دليل على ذلك أننا في القوات نُبرز دور المرأة ونفعّل هذا الدور فعلًا، وليس من خلال منحها "كوتا" فحسب، وأرجو المعذرة على التعبير، لكن منح "كوتا" للمرأة هو كمن يوزع كرتونة طعام على محتاج. أما عندما تُترك لها المساحة لتُظهر قدراتها، فذلك هو التمكين الحقيقي. وهذه هي فلسفتنا في العمل، والدليل هو أن المرأة في حزب القوات أظهرت كفاءتها، وهذا واضح حتى الآن من خلال النائبتين الموجودتين لدينا، وفي الهيئة التنفيذية للقوات، المرأة موجودة أيضاً عبر رفيقتنا مايا زغريني، وصولًا إلى رؤساء المراكز، حيث أصبح لدينا العديد من السيدات في هذا الموقع. هذه هي حقوق المرأة: أن تُمنح الحرية، وأن يُفك عنها القيد، وأن تُترك لتعمل وتُظهر إمكاناتها".
وأشار جعجع إلى أن لديه ملاحظتين أساسيتين على النظريات المطروحة كلها في موضوع المرأة، وقال: "أنا لا أشك في نوايا كل من يطرح موضوع حقوق المرأة، لكن لدي شكوك في بعض الطروحات. مثلًا، أول طرح هو موضوع "الكوتا"، فبأي منطق يطرح؟ من المؤكد أنه يجب ألّا يبقى في القانون ما يُميّز الرجل عن المرأة، ونحن بالكامل مع إلغاء كل ما يُميّز. كما أنه من المؤكد ألّا تكون هناك عوائق عملية أمام المرأة لكي تعمل في أي مجال تريد. لكن بعد ذلك، علينا أن نترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي. أي حيثما تجد المرأة نفسها، تذهب هي بإرادتها. وليس أن نقوم بعملية غسل دماغ أو ضغط أو إكراه لكي تدخل مجالًا معينًا".
وتابع جعجع: "على سبيل المثال لا الحصر، في مجال الإعلام في لبنان، نجد أن 60 إلى 70% من العاملين فيه نساء. هل يُعقل أن نقول: لا، يجب أن نضع "كوتا" 30%؟ من الطبيعي أن النساء يُحببن العمل في الإعلام. هل نقول إذًا إنه يجب ألّا يكنّ بهذه النسبة
الكبيرة في الإعلام؟ مثال آخر هو سلك القضاء، وهو أمر يسعدني كثيرًا: على الأقل، 50% من القضاة في لبنان من النساء. وقد تكون النسبة الآن حتى أكثر. فهل نقول: لا، يجب أن تكون الـ"كوتا" فقط 40%؟ برأيي، إذا استمرت الأمور بهذا الشكل، فقد تصبح نسبة النساء 60 أو 70% من القضاة، فهل نعود ونقول إن الـ"كوتا" يجب أن تكون أقل؟! لماذا نُجبر المرأة على أن تعمل في السياسة إذا كانت ترغب في العمل في مجال آخر؟!".
واستطرد جعجع: "لا يمكنكم تخيّل عدد النساء اللواتي أصبحن سيدات أعمال ناجحات ويرغبن في العمل في هذا المجال. لذا أنا صراحة لم أفهم منطق الـ"كوتا"، ولم أكن يومًا معه، بالرغم من أنني، لا أخفي عليكم، تعرضت لبعض الضغوط من بعض الرفاق والرفيقات الذين قالوا: "نحن معك في نظرتك، لكن لماذا نأخذ الأمور بشكل حاد طالما أن هناك جمعيات كثيرة تضغط على الرأي العام وتطالب بالـ"كوتا"؟ فلنقل: لا بأس". ولكن نحن في "القوّات"، من دون أن نكون بحاجة إلى أحد أو إلى "كوتا"، كان لدينا في الانتخابات الماضية على الأقل ما بين 25% و40% من المرشحين على لوائحنا من النساء. تم ذلك بشكل طبيعي، في الأماكن التي كانت فيها امرأة راغبة في الترشّح وتمتلك المواصفات المطلوبة، فرحبنا نحن بذلك، وجميع الناس يرحبون. لذا فإن كل هذا العالم الخيالي الذي ترسمه بعض الجمعيات غير موجود في الواقع".
وقال جعجع: "سأتناول الآن ما يحصل في الانتخابات البلدية، وبالأخص في منطقة بشري. رفيقتنا ستريدا جعجع تصرّ، في كل بلدية من البلديات، على إشراك النساء في
المجالس البلدية بنسبة تتراوح بين 30 و35%، بالرغم من أنها تجد صعوبة في بعض البلديات لتحقيق ذلك. وهذا أبرز مثال على انه عندما يُراد تحقيق هذه الأمور، فإنها تُنفّذ بهذا الشكل العملي، وليس عبر إدخالها في القوانين، أو أن نعطّل الحياة السياسية إذا لم ترغب النساء في المشاركة في البلديات أو في النيابة، أو إذا لم نجد نساء يتمتعن بالمواصفات المطلوبة! فهذا تحوير للحقيقة، وتحريف للواقع، وقفز فوق الوقائع، وإذا شئتم، فهو "دفع بالتاريخ". والتاريخ لا يسير بالدفع، بل بالانسياب".
وشدد جعجع على ان "أكبر جمعية تعمل للحفاظ على دور المرأة وتترك لها المجال لتأخذ فرصتها، هي "القوات اللبنانية"، وأكبر دليل هو تاريخنا الذي عبرناه حتى الآن".
وتابع: "النقطة الثانية والأخطر في ما يطرحه دعاة الـ"كوتا"، هي الأسباب الموجبة التي يقدمونها. إذ أن هذه الأسباب تُظهر وكأن هناك حربًا كونية بين الرجال والنساء. وأسوأ ما في الأمر أن البعض، لكي يصلوا إلى ما يريدون، يعملون على تقسيم المجتمع إلى رجال ونساء، ووضعهم في مواجهة بعضهم البعض، من أجل الوصول إلى النتيجة التي يرغبون بها. وهذه العملية مضرّة جدًا على الصعيدين الفكري والفلسفي. من هذا المنطلق، أنا فخور جدًا بالنساء المناضلات في صفوف "القوات"، لأنهنّ بالفعل يعملن من دون هذه الخلفيات السلبية، وليس لديهنّ كل هذه الأفكار المسبقة، ولم ينجرفن مع "الموجة"، كما فعل بعض النساء والرجال أيضًا في المجتمع والذين انجرفوا مع "موجة الكوتا"، فالمسألة ليست أن نقوم بفعل ما هو أسهل، بل أن نلتزم بما هو صحيح، حتى لو كلّفنا ذلك انتخابيًا، بالرغم من أنني أرى أن الغالبية الساحقة من الناس تؤيد وجهة نظرنا، وليس وجهة النظر المقابلة. وأكبر دليل هو ما حصل في الانتخابات النيابية تباعًا. لذا كل التهنئة للمناضلات القواتيات، وللمناضلات في مختلف المجالات الأخرى، سواء كنّ في القوات أو خارجها، اللواتي يتمتعن بهذه النظرة المتوازنة للأمور، نظرة ترى المرأة كما ترى الرجل، وتذهب نحو المسؤولية بروح واقعية. من تستطيع أن تعطي كثيرًا فلتفعل، ومن لا تستطيع أن تعطي كثيرًا، فلتقبل بحدود قدراتها، ولتكن سعيدة بما يُقدمه الآخرون - رجالًا أو نساءً".
وختم جعجع كلمته بالقول: "أود أن أتوجّه بالشكر إلى كل شخص حاضر معنا، لأن وجودكم يُغني هذا الاحتفال بكامله. وأتوجّه بشكل خاص بالشكر إلى جميع المناضلين والمناضلات في صفوف القوات، الذين، من لا شيء تقريبًا، استطاعوا أن يبنوا قوة سياسية كبيرة، ينظر إليها كثير من اللبنانيين بأمل ويضعون ثقتهم كلها فيها. وبفضل عملهم، وجهودهم، وتضحياتهم بالدم والوقت والجهد والتعب والمال، استطاعوا بناء هذه القوة السياسية التي، بإذن الله، ستكون في أساس خلاص لبنان. كل عام وكل امرأة وأنتم بخير".
وكان قد استهل العشاء بالنشيد الوطني اللبناني ونشيد حزب "القوات اللبنانيّة"، ومن ثم كانت كلمة رئيسة جهاز تفعيل دور المرأة سنتيا الأسمر، واستهلتها بتوجيه التحيّة لرئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع في ذكرى محاولة اغتياله في 4 نيسان، متمنيةً له طول العمر والبقاء.
وأكّدت أن "إيماننا كبير بدورنا المجتمعي البنّاء والتشاركي وبالقضية التي تجمعنا وبالوطن الذي دافعنا عنه بأغلى ما لدينا، لذا نحن مستمرون ومتجذّرون في هذه الأرض كما صلابة أرز الرب". وقالت:" نحن قوة وقدوة، وهذا ليس شعاراً بل إنه واقع نعيشه كلّ يوم مع الرفاق والرفيقات في حزب القوات اللبنانية لمتابعة المسيرة."
وإذ أشارت إلى أنه أمام المرأة "الكثير من الاعمال والتحديات بدءاً من العائلة مروراً بالمجتمع وصولاً إلى الحياة السياسيّة والشأن العام والتي ستواجهها بالشراكة والتعاون مع الرجل، شدّدت الأسمر على أن المرأة "ليست قوة منتقَصة، ومن هنا يأتي عدم الإيمان بالكوتا بل السعي إلى الشراكة مع الرجل لما فيه خير المجتمع. وأشارت إلى"أن رفيقات كثيرات أثبتن جدارتهن في مختلف المناصب التي تبوّأنَ، والدليل النائب ستريدا جعجع التي رفعت يدها وحملت المشعل وتابعت النضال وكانت رمزاً لصورة المرأة المناضلة والمقاومة والمسؤولة، في فترة "طأطأة الرؤوس"، مع العلم أنه كان بإمكانها المغادرة لكنها رفضت "وبقيت وبقينا".
واعتبرت الأسمر أن "العبرة لا تكمن في الأرقام بقدر ما هي خلق وتجسيد واقع حقيقي في سياقه الطبيعي كي يعبّر عن كفاءة ونمط مجتمعي في جوانب الحياة كافة، وانطلاقًا من هنا، علينا أن نسعى سوياً للقضاء على أشكال التمييز المبطن كلّها."
ولفتت إلى أن العمل في جهاز تفعيل دور المرأة "بالتعاون مع الوحدات الحزبية كافة وبدعم من القيادة الحزبية التي نرفع لها التحية، دؤوب وحقيقي وقانوني وتشريعي مع المعنيّين، بدءاً من ورشات العمل، وصولا إلى إقتراح مشروع قانون يتمحور حول إعطاء الأم السجينة الحق في مشاهدة أطفالها فضلاً عن إنشاء مبنى موّحد للسجينات. وأوضحت أن هذا المشروع هو نتاج عمل جهاز خاص بشؤون المرأة نشهده للمرّة الأولى في حزب سياسي بمساندة تشريعية من قبل نواب تكتل الجمهوريّة القويّة.
وقالت: "بما أننا على مقربة من استحقاقٍ بلدي واختياري، من الضروري التأكيد أن المرأة لا تطمح ولا تحبّذ، وعن قناعة تامة، فرض وجودها كونها إمراة، بل هدفها أن تتولى مهمات تستحقها فعلا،" وهذا نهج ومبادئ حزب القوات اللبنانيّة، والتجربة والواقع خير دليل".
وفي ختام العشاء قدّم جهاز تفعيل دور المرأة هديّة تذكاريّة لرئيس القوّات وعقيلته النائب جعجع وهي عبارة عن مجسّم أرزة.