بعد أسابيع من الهدوء النسبي الذي شهدته الساحة
اللبنانية، عادت المواجهة السياسية بين "
حزب الله" وخصومه إلى الواجهة، لكن هذه المرة في ظل ظروف إقليمية أكثر تعقيداً، ومؤشرات توحي بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تصعيداً يتجاوز حدود السجالات السياسية التقليدية، خصوصاً أن الضغوط الداخلية بدأت تترافق مع تطورات إقليمية متسارعة قد تنعكس مباشرة على التوازنات اللبنانية.
خلال الأسابيع الماضية، كان واضحاً أن مستوى الضغوط السياسية على "حزب الله" قد تراجع بصورة ملحوظة. فقد انخفضت حدة الحملات التي كانت تستهدفه، وتراجعت المواجهات الكلامية بينه وبين القوى
المعارضة له، ما أعطى انطباعاً بأن البلاد دخلت مرحلة من التهدئة غير المعلنة، أو على الأقل مرحلة انتظار لما ستؤول إليه التطورات الإقليمية، قبل اتخاذ مواقف سياسية حاسمة.
لكن هذا المشهد لم يستمر طويلاً. ففي الأيام الأخيرة، عادت الضغوط على الحزب إلى مستويات مرتفعة، سواء من خلال الملفات السياسية والقضائية التي أُعيد فتحها، أو عبر المواقف التي صدرت عن خصومه، والتي بدت أكثر حدة من المرحلة السابقة. واللافت أن الحزب، خلافاً لما كان متوقعاً، لم يتعامل مع هذه التطورات بسياسة امتصاص الضغوط، بل اختار رفع سقف المواجهة السياسية بصورة غير مسبوقة منذ انتهاء حرب الإسناد.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الضغوط التي يتعرض لها "حزب الله" مرشحة للتزايد خلال المرحلة المقبلة، وسط تقديرات بأن المواجهة لن تبقى محصورة في المجال السياسي، بل قد تنتقل تدريجياً إلى مستويات أمنية وربما عسكرية، في حال استمرت الظروف الإقليمية الحالية على حالها.
وتربط بعض الأوساط السياسية بين هذه التطورات وبين الضغوط التي تتعرض لها
المملكة العربية السعودية في مواجهتها مع اليمن. ووفق هذه القراءة، فإن
الرياض قد تكون معنية بإعادة إنتاج نوع من التوازن في ساحات الصراع الإقليمي، بحيث لا تبقى الضغوط مركزة على جبهة واحدة، بل تتوزع على جبهات متعددة، بما يسمح بتحسين شروطها التفاوضية في أي تسوية مقبلة. غير أن هذا الربط يبقى في إطار التقديرات السياسية، ولا توجد معطيات حاسمة تثبت وجود قرار
سعودي مباشر بالتصعيد في
لبنان.
في المقابل، يبدو أن "حزب الله" اتخذ قراراً واضحاً بعدم الاستمرار في سياسة التهدئة الداخلية التي اعتمدها خلال الفترة الماضية. فالخطاب الصادر عن نوابه ومسؤوليه بات أكثر حدة، ويحمل رسائل مباشرة إلى خصومه وإلى الجهات التي تقف خلف الضغوط السياسية المتزايدة عليه.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن اقتناع يبدو أنه يتعزز داخل "الحزب" بأن استمرار تقديم التنازلات السياسية، أو الاكتفاء بالردود المحدودة، قد يشجع خصومه على الذهاب أبعد في مواجهته، وصولاً إلى فرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً.
من هنا، فإن التصعيد الكلامي الحالي قد لا يكون مجرد رد فعل على أحداث متفرقة، بل مقدمة لمرحلة مختلفة من المواجهة، عنوانها رفع السقف السياسي والاستعداد لتحركات شعبية منظمة، بالتوازي مع وضع خطوط حمراء واضحة أمام أي محاولة لتغيير التوازنات القائمة بالقوة أو عبر الضغوط المتراكمة.
وعليه، يبدو أن لبنان يتجه نحو مرحلة أكثر حساسية، ليس فقط بسبب عودة الانقسام الداخلي، بل لأن "حزب الله" لم يعد يتصرف باعتباره طرفاً يسعى حصراً إلى احتواء الضغوط، وإنما كقوة قررت الانتقال إلى المواجهة السياسية المفتوحة، في انتظار اتضاح حدود التصعيد الإقليمي والداخلي.