الانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب. في بلاد "العم سام"، حرارة الحملات الانتخابية ترتفع كلما اقترب تشرين الثاني. أما في الشرق الأوسط، فاللهيب ما انفكّ يتأجج دون هوادة. سوريا "تعيش" الحرب المجنونة. العراق يقارع الارهاب والتقسيم. لبنان يمضي بجمهورية مقطوعة الرأس. "الدبّ الروسي" في المنطقة. النظام الإيراني يتمسك بحلم السيطرة. كلّ هذا الشرق يغلي، فماذا عن استراتيجيات الدول الكبرى الخارجية ومنها أميركا؟ "هل سيكون مستقبل المنطقة مرتبطاً باستمرار النزاع بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية ومصالح كل منهما؟"، كما سأل الرئيس أمين الجميّل في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها في ندوة بعنوان "انتخابات الرئاسة الأميركية: التداعيات على الشرق الأوسط" نظمتها مؤسسة "بيت المستقبل" " بالتعاون مع "مؤسسة كونراد أديناور" في سرايا بكفيا.
ففي حضور عدد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والاجتماعية والإعلامية، تمّت مناقشة هذا الموضوع الهادف الى محاولة استشراف مستقبل منطقة الشرق الأوسط، وكلّ الأمل أن يحلّ فيها سلام. "تشارلز دان"، باحث رئيس غير مقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن وعضو في مبادرة جون هاي، قدّم ورقة سياسية بعنوان "الولايات المتحدة، الشرق الأوسط والانتخابات العام 2016: ما هي القضايا الملحّة وكيف ستكون مواقف كلّ من المرشحين كرئيسين". وعند العاشرة صباحاَ، افتتحت الندوة بكلمة ألقاها الجميّل، ذكّر فيها بالدور الذي تضطلع به مؤسسة "بيت المستقبل" كمنارة تحاول سدّ الفراغ على الساح الثقافية اللبنانية. ورأى "أننا نعيش في قرية كونية صغيرة بحيث أن من المستحيل ألا يؤثر أي حدث يحصل في دولة أخرى على بقية الدول، ومن هنا يأتي اهتمامنا بالانتخابات الرئاسية الأميركية المرتقبة لجهة تداعياتها على المنطقة. هذا الاهتمام يأتي من باب شراكتنا مع الغرب، وهي شراكة نريدها ونتطلع اليها كعلاقة بين ندين وليس كعلاقة رعائية أو ابوية".
وأعرب الجميّل عن مفاجأته من "مستوى الانحدار الذي بلغه الخطاب السياسي غير المشهود في الولايات المتحدة"، سائلاً:"اين هي النخب الأميركية والجامعات ومراكز البحوث؟"
وقال:" لقد فوجئنا بمستوى التدخل في الحرب الدائرة في سوريا وبخاصة في حلب، وهو ما أعاد الروس الى المنطقة في ظلّ تخاذل الغرب وتردد السياسة الخارجية الأميركية الحالية تجاه هذه النزاعات"، طارحاً السؤال الرئيس: " هل سيكون مستقبل المنطقة مرتبطاً باستمرار النزاع بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية ومصالح كل منهما؟"، ومعتبراً ان "السلام العالمي لن يتحقق اذا بقيت المنطقة (الشرق الأوسط) مشتعلة".
وكانت كلمة لممثل مؤسسة "كونراد أديناور" الالمانية – مكتب سوريا والعراق نيلز فيرمر، رحّب في خلالها بالحضور وشددّ على أهمية إلقاء الضوء على هذا الموضوع من خلال الندوة.
الخرق الإيجابي؟
ثمّ تحدث دان الذي لاحظ أن "مسار انتخابات الرئاسة في
الولايات المتحدة للعام 2016 يؤشر الى انها ستكون الانتخابات ذات الأثر الأكبر على السياسة الخارجية الأميركية منذ انتخاب جورج دبليو بوش في العام 2000، ذلك أن القضايا المطروحة على الطاولة متشعبة، من موضوع الهجرة الى السياسة التجارية والأسس التي ستستند اليها
الولايات المتحدة للتفاعل مع العالم". ورأى أن "الحملة الانتخابية الأميركية لم تتطرق حتى الساعة الى قضايا المنطقة إلا تطرقاً سطحياً"، مضيفاً: "لقد فشل مرشحا الحزبين الرئيسين (ترامب وكلينتون) في تقديم أي بلورة او اقتراح لإحداث خرق ايجابي في المنطقة وفي سياسة الولايات المتحدة".
دان وصف "هذا العام في السياسة الأميركية" بـ "عام الخوف"، إذ طغت على الحملة الانتخابية المخاوف من الارهاب وملفات الاتفاقات الاقتصادية والهجرة والكوارث المحتملة التي يمكن ان يتعرض لها الاتحاد الأوروبي، اضافة الى المخاوف على الأمن العالمي.
وعرض دان مواقف المرشحين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب وحزبيهما من المنطقة، فخلص الى ان "المسار الذي سيعتمده ترامب كرئيس في السياسة الخارجية أحجية، إذ ان رؤيته للشرق الأوسط هي في أحسن الأحوال غامضة وفي أسوئها خطيرة"، معتبراً انه "يتماهى مع العقيدة السياسية للقادة التقليديين في أميركا اللاتينية والتي تتبع نهج الأرض المحروقة في التعاطي مع المعارضة والشهية للحكم الاستبدادي". أما بالنسبة الى كلينتون، فرأى أنها "اعتمدت في هذه الحملة خطاً وسطياً في السياسة الخارجية وتجنبت انتقاد الادارة الحالية"، متوقعاً أن "تلتزم النهج المتأني والوسطي الذي اعتمد زوجها في السياسة الخارجية بدلاً من اعتماد نهج أوباما الخجول. ومع ذلك، قد تتخذ مواقف أكثر تصادمية بالنسبة الى سوريا، ومن المرجح أن تأخذ خطوات صارمة لمساعدة العراق على الانتصار على اعدائه من الارهابيين".
وعرض توقعاته "حول المقاربة التي قد يعتمدها كلّ من المرشحين تجاه قضايا المنطقة في حال فوز أحدهما"، فاعتبر أن أي منهما لم يقدم خطة عمل واضحة لدحر داعش من العراق وتحقيق الاستقرار. وبالنسبة الى سوريا، قال:"سيرغب ترامب بعقد اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأسد لتحقيق "الاستقرار" بصرف النظر عن تداعيات هذا الأمر على الشؤون الانسانية في البلاد ومستقبل المنطقة. هذا القرار سيؤدي الى تلزيم روسيا وايران وحزب الله معظم العمليات العسكرية في سوريا والقضاء على اي معارضة جادة للأسد". أما كلينتون، بحسب توقعات دان، فسوف تبدي استعداداً أكبر من ترامب للتدخل في سوريا، "وقد تكون "اعادة تفعيل" المعارضة أو ما تبقى منها خياراً، وقد يكون تقديم دعم إضافي لقوات من الثوار السوريين وتدريبها ومدّه بالأسلحة خياراً ثانياً، علماً أن كلا الخيارين دونهما عقبات عدّة أهمها التوّرط الايراني والروسي في المنطقة."
لبنان وفراغه الرئاسي حضر ايضاً في "توقعات" دان الذي اشار الى ان أي من المرشحين لم يعر اهتماماً لمستقبل ها البلد، علما انه "يجب عليهما ذلك لأسباب عدّة"، وعلى رأسها "تدخل
حزب الله العابر للحدود في سوريا، واحتمال اندلاع حرب جديدة بين اسرائيل وحزب الله قد تمتد الى نطاق واسع".
واخيرا عرض دان توصيات عن القضايا التي يجب أن يلتزم بها الرئيس المقبل للولايات المتحدة تجاه الشرق الاوسط بصرف النظر عن هويته، ومن أهمها :
- وضع استراتيجية اقليمية متكاملة وخطة لارساء وجود امني قوي لها يحمي مصالحها ومصالح حلفائها.
– دعم حقوق الانسان والديمقراطية والتشارك مع اوروبا لارسائها. – الحدّ من التدخل الايراني في شؤون المنطقة والضغط عليها لجهة اصلاحات سياسية داخلية – الاستمرار في مواجهة خطر الارهاب. – مواجهة خطر الازمة السورية وتحالف
الامر الواقع بين روسيا وايران و"حزب الله" لدعم نظام الاسد القاتل.
– دعم العراق في حربه على داعش – توضيح موقف المرشحين حيال اي نزاع جديد قد يندلع بين العرب واسرائيل وتحديد الخطوات التي من شأنها الحؤول دون وقوعه لو التخفيف من حدته.
الحملة الفاشلة
وعبر "سكايب"، أطلّ الباحث والكاتب محمد الرميحي مشاركاً في الندوة، فرأى أن "ترامب اعتمد حملة سياسية يمكن أن تدرس لاحقاً في الجامعات بعنوان "كيف تقوم بإدارة حملة فاشلة تفشل في الانتخابات"، معتبراً ان "انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط تسبب بأضرار كبرى"، ومتوقعاً ان تفوز كلينتون التي تتمتع برؤية واضحة تجاه المنطقة.
بدوره، سأل سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة "ما الذي جعل من ترامب ظاهرة في الولايات المتحدة"، معتبراً ان "هذه الدورة الانتخابية غريبة فعلاً. لقد فقد المجتمع "الأبيض" السيطرة على النظام السياسي في البلاد. في الانتخابات الأخيرة بلغت نسبة المقترغين بين البيض 61% ومع هذا نجح أوباما"، وخلص الى ان "التركيبة الاثنية تتغيّر وهذا ما ينعكس على الواقع الحالي". وبالنسبة الى لبنان، اعتبر طبارة أن "السياسة الأميركية تجاهه كانت وستبقى لا تتدخل في التفاصيل الداخلية".
وتحدث رئيس مركز
البيان للتخطيط والدراسات في بغداد سجاد عياد معتبراً أن "الطرفين (كلينتون وترامب) يرفضان التدخل في شؤون المنطقة وهذا ما يبرر الوضع الحالي". وقال:" كلينتون سوف تتبنى عقيدة أوباما اي تفعيل برامج المساعدة فقط، أما ترامب فمقتنع بأن المنطقة سوف تبقى غير مستقرة لذلك لا لزوم للتركيز عليها". وأشار الى "اننا نتطلع الى علاقة استراتيجية مع واشنطن"، بيد انه أعرب عن اعتقاده بأن "أفطار السيد دان لن تتحقق سواء انتخب كلينتون ام ترامب".
أما الباحث في المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية في برلين خالد يعقوب عويس، فاشار الى ان "ما تفتقد له السياسات الأميركية هو أهمية حماية المجتمعات الدينية". ورأى أن هناك "تطهيراً عرقياً حاصلاً اليوم في المنطقة"، معتبراً أن "الولايات المتحدة لم تتدخل لحماية أهل السنة في سوريا وهذا ما يعزز الارهاب، لكن المفارقة أنه يحصل تدخل حينما يتعلق الأمر بالأكراد".
ودار في الجلسة الثانية من الندوة التي أدارها الصحافي اللبناني موفق حرب من بدايتها حتى انتهائها عند الواحدة ظهراً، نقاش موّسع بين المتحدثين والحضور تناول شتّى القضايا الساخنة المتعلقة بماضي المنطقة ومستقبلها.