أعاد فوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة فتح النقاش حول مستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل، وسط تزايد الاعتراضات داخل الحزب الديمقراطي، ومؤشرات إلى تراجع الإجماع التقليدي على مساندة تل أبيب حتى في صفوف الجمهوريين.
وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، قد تؤدي نتائج الانتخابات النصفية، التي جرت الثلاثاء 3 تشرين الثاني، إلى أكبر مراجعة للموقف الأميركي من إسرائيل منذ عقود، بعدما خاض عدد من المرشحين الديمقراطيين التقدميين حملاتهم معارضين المساعدات العسكرية لإسرائيل والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وكانت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلى جانب تقارب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس دونالد ترامب والجمهوريين، قد أضعفت الدعم الحزبي المشترك لإسرائيل، فيما يُتوقع أن تتيح السيطرة الديمقراطية على الكونغرس تشديد الرقابة على المساعدات العسكرية، وفتح ملفات العنف الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية، فضلاً عن عقد جلسات استماع وممارسة ضغوط على مرشحي ترامب للمناصب الرسمية.
ومن أبرز الفائزين التقدميين عبد السلام السيد في ولاية ميشيغان، الذي أصبح أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، رغم محاولات جمهورية لاستمالة الناخبين اليهود الذين قد لا يتقبلون خلفيته الدينية ومواقفه المنتقدة لإسرائيل.
تحوّل في المزاج السياسي
ولا يقتصر التغيير المحتمل على الديمقراطيين، إذ ظهرت مؤشرات إلى استعداد بعض الجمهوريين لإعادة النظر في الدعم التقليدي الذي يقدمه حزبهم لإسرائيل. فقد حمّل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الأربعاء، الحرب على إيران مسؤولية الهزيمة الانتخابية، وأشار إلى أن تغيير العلاقة مع إسرائيل قد يكون من بين الخطوات التي تساعد على استعادة الناخبين المستائين من ترامب.
ونقل فانس في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن أحد منظمي استطلاعات الرأي أربعة إجراءات من شأنها إعادة هؤلاء الناخبين، هي: إنهاء الحرب، والتركيز على كلفة المعيشة والتضخم، وتقديم المصالح الأميركية، وتغيير العلاقة مع إسرائيل.
وكان ترامب قد أعلن في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، الثلاثاء، أنه توصل إلى اتفاق مع نتنياهو لإنهاء المساعدات الأمنية السنوية الأميركية لإسرائيل. لكن لم يتضح ما إذا كان يملك الصلاحية القانونية لوقف المليارات التي تقدمها واشنطن لإسرائيل سنوياً على شكل مساعدات عسكرية.
ويبرز الموقف من إسرائيل أيضاً كخط انقسام بين الأجيال في السياسة الأميركية، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين الأصغر سناً، بمن فيهم بعض الجمهوريين، يرون أن الولايات المتحدة قدمت دعماً أكبر مما ينبغي لإسرائيل، ولم تقدم دعماً كافياً للفلسطينيين.
وكانت مواقف أعضاء الكونغرس الديمقراطيين قد بدأت تتغير قبل الانتخابات. ففي أيلول، صوّت 46 عضواً من أصل 47 في الكتلة الديمقراطية بمجلس الشيوخ لمصلحة قرار يُلزم إدارة ترامب بتقديم تقارير إلى الكونغرس عن تصاعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. ورغم أن الجمهوريين عرقلوا القرار، فإن هذا التصويت شبه الإجماعي شكّل خروجاً واضحاً عن عقود من الدعم الحزبي المشترك لإسرائيل.
ومن المتوقع أن يواصل الديمقراطيون التركيز على العنف في الضفة الغربية. وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن، الذي قاد محاولات لفرض شروط مرتبطة بحقوق الإنسان على المساعدات المقدمة لإسرائيل، إن القوانين الأميركية والدولية والسياسات يجب أن تُطبّق بصورة موحدة على جميع الدول، "من دون استثناء لإسرائيل".
لكن قدرة الديمقراطيين على إحداث تغيير فعلي تبقى محدودة، إذ تعهّد ترامب باستخدام حق النقض ضد مشاريع القوانين التي لا يوافق عليها، فيما يُستبعد أن يتمكن الديمقراطيون من تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسي.
ومع ذلك، قد تتلاقى اعتراضات الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي مع مواقف الجناح الجمهوري الداعي إلى إعطاء الأولوية للمصالح الأميركية والحد من إنفاق أموال دافعي الضرائب خارج البلاد. ورأى المسؤول الأميركي السابق والمستشار في شركة "أرغيل ستراتيجي" برايس فلويد أن نتائج الانتخابات قد تفضي إلى تقارب غير مألوف بين اليسار واليمين في إدانة إسرائيل.
الضغط عبر جلسات الاستماع
وإلى جانب التشريعات، تمنح السيطرة على المجلسين الديمقراطيين قدرة أكبر على استدعاء مسؤولي الإدارة الأميركية إلى جلسات استماع علنية، وهو أمر نادر في ظل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس خلال عهد ترامب.
وقال ويليام ويتشلر، المدير الأول لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن الكونغرس يستطيع ممارسة ضغوط واسعة، من خلال التلويح بعرقلة تعيينات المسؤولين، وطرح تساؤلات حول اتفاقات المساعدات المختلفة، وإجبار الرئيس على اتخاذ خطوات إجرائية إذا قرر رفع العقوبات.
وكانت استطلاعات الرأي قد أظهرت أن الحرب على إيران شكّلت إحدى القضايا الرئيسية في الانتخابات، في وقت حمّل فيه كثير من الأميركيين هذا الصراع، الذي بدأه ترامب في شباط، مسؤولية ارتفاع الأسعار، ولا سيما أسعار البنزين.
وفي المقابل، رأى جوناثان شانزر، المدير التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، التي تدعم التحالف الأميركي الإسرائيلي، أن التغيير المحتمل في القيادة الإسرائيلية قد ينعكس على طبيعة العلاقة بين البلدين.
وكان نتنياهو قد خسر أغلبيته الحاكمة في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول، من دون أن ينجح خصومه في تأمين طريق واضح لإطاحته، فيما يُتوقع أن تطول المفاوضات لتشكيل حكومة جديدة.
وبحسب شانزر، فإن تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، ولا سيما إذا كانت أقل ارتباطاً بالجمهوريين، قد يفتح المجال أمام علاقة أكثر تعاوناً مع الديمقراطيين في الولايات المتحدة. لكنه أشار إلى أن أي تغيير في الموقف الأميركي لن يبدأ قبل كانون الثاني، موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه، وقد تكون هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة عاملاً مؤثراً في هذا المسار.